الثعلبي
324
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )
مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها قراءة العامة بكسر الميم ، وقرأ أبو رجاء بضمّها ، وهما لغتان ، قال ابن عباس : يجعلها كخفّ البعير أو كحافر الدابة . قتادة والضحاك : نعميها ، ذكر الوجه والمراد به العين فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أي نحوّل وجوهها إلى ظهورها ، ونجعل أبصارها من جهة أقفائها ، وهذه رواية عطية عن ابن عباس . الفرّاء : الوجوه منابت للشعر كوجوه القردة ، لأنّ منابت شعور الآدميين في أدبار وجوههم . القتيبي : نمحو آثارها وملامحها من عين وحاجب وأنف وفم ، فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها أي كالأقفاء . فإن قيل : كيف جاز أن يهدّدهم بطمس وجوههم إن لم يؤمنوا ، ثم لم يؤمنوا ولم يفعل بهم ذلك ؟ فالجواب أن نقول : جعل بعضهم هذا الوعيد باقيا منتظرا ، فقال : لا بد من طمس وجوه اليهود أي بالمسخ قبل الساعة ، وهذا قول المبرّد ، وقال بعضهم : كان هذا وعيدا بشرط ، فلمّا أسلم عبد اللّه بن سلام وأصحابه رفع الباقين ، وقيل : لمّا أنزلت هذه الآية ، أتى عبد اللّه بن سلام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قبل أن يأتي أهله فأسلم ، وقال : يا رسول اللّه ما كنت أرى أن أصل إليك حتى يتحول وجهي في قفاي . وقال النخعي : قرأ عمر هذه الآية على كعب الأحبار ، فقال كعب : يا ربّ أسلمت ، يا ربّ أسلمت مخافة أن يشمله وعيد هذه الآية . وقال سعيد بن جبير : الطمس أن يرتدّوا كفارا فلا يهتدوا أبدا . الحسن ومجاهد : من قبل أن نعمي قوما عن الصراط وعن بصائر الهدى ، فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها حتى يعودوا إلى حيث جاءوا منه بدءا ، وهو الشام . وأصل الطمس : المحو والإفساد والتحويل ، ومنه يقال : رسم طاسم ، وطامس أي دارس ، والريح تطمس الأثر أي تمحوه وتعفوه . أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ فنجعلهم قردة وخنازير وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا . إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ الآية ، قال الكلبي : نزلت في المشركين : وحشي بن حرب وأصحابه ، وقال : إنّه لما قتل حمزة ، وكان قد جعل له على قتله أن يعتق ، ولم يوف له بذلك فلمّا قدم مكة ندم على صنيعه هو أصحابه ، فكتبوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إنّا قد ندمنا على الذي صنعنا وإنه ليس يمنعنا عن الإسلام إلّا أنّا سمعناك تقول وأنت بمكة : وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ « 1 » ، وقد دعونا مع اللّه إلها آخر ، وقتلنا النفس التي حرّم اللّه ، وزنينا ، ولولا هذه الآية لا تبعناك ، فنزلت إِلَّا مَنْ تابَ وَآمَنَ * الآيتين - فبعث بهما رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم إلى وحشي وأصحابه ، فلمّا قرءوها كتبوا إليه : هذا شرط شديد نخاف ألّا نعمل عملا صالحا فلا نكون من [ أهل ] هذه الآية إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ فبعث بها إليهم فقرؤوها ، فبعثوا إليه : إنا نخاف ألّا
--> ( 1 ) سورة الفرقان : 68 .